اسماعيل بن محمد القونوي

317

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

لنفاد الدمع بكثرة البكاء لشفاء الجوى ولا يضره كون الكلام في مفعول المشيئة لأن مفعولها هو البكاء المتعلق بالمفعول والجواب إن كان قرينة كان قرينة على البكاء المقيد لا المطلق فإن نظر إلى المعتاد كان المعنى ما ذكر وهو لو شئت أن أبكي دمعا لبكيت دما بلا اختيار وإن نظر إلى الجواب كان المعنى ولو شئت أن أبكي لبكيت دما فلا بدّ من ذكر المفعول وهو البكاء المقيد دفعا للتوهم قيل قائل هذا البيت أبو يعقوب الجريمي يرثي بقصيدته جريم بن عامر المري وفي شرح شواهد المعاني يرثي بها ابنه ليثا وآخره عليه ولكن ساحة الصبر أوسع ثم قال وما في بعض الحواشي من أنه للبحتري كأنه من تحريف الناسخ والبكاء الدمع مع الحزن أو مطلق الدمع والقول الأول بناء على الأكثر وإلا فالبكاء قد يكون مع السرور حتى قالوا الدمع يكون حارا مع الحزن وباردا مع السرور بكاء البكر حين الاستئذان إن رد كان الدمع حارا واذن إن كان باردا وجه كون دمعة السرور وباردة هو أن سبب البكاء ارتفاع أبخرة يعصرها ما في الدماغ من الرطوبات حتى يتسل وتلك الأبخرة تكون حرارتها عند الحزن أشد لعدم انتشارها كما في الظاهر على البشرة ثم إنه إذا كان جواب لو نفيا كقوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ [ البقرة : 253 ] وقوله تعالى : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا [ الأنعام : 148 ] وقوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ [ الأنعام : 112 ] لا يكون المفعول المقدر من جنس الجواب لأن المشيئة والإرادة لا تتعلق بالأعدام الأزلية وإلا لكانت تلك الاعدام حادثة قال قدس سره في شرح المواقف لأن استناد العدم إلى مشيئة القادر يقتضي حدوثه كما في الوجود فيلزم أن لا يكون عدم العالم أزليا انتهى . ولهذا قدر المص في الآية الأولى هكذا ولو شاء هداهم ما اقتتلوا وفي الآية الثانية قال : لو شاء اللّه توحيدهم ما أشركوا وفي الآية الثالثة لو شاء إيمانهم ما فعلوه على أن ما ذكره المص مآل الجواب ولازمه فإنه كثيرا ما يعبرون عن النفي بالإثبات اللازم كقوله تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [ البقرة : 16 ] أي خسرت تجارتهم وما وقع في قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ [ آل عمران : 176 ] فمأول بمثل ما ذكرناه أي يريد اللّه أن يجعل لهم حرمانا أو عذابا وكذا نظائره . قوله : ( ولو من حروف الشرط فظاهرها الدلالة على انتفاء الأول لانتفاء الثاني ضرورة انتفاء الملزوم عند انتفاء اللازم ) تفريع على كون لو من حروف الشرط وفي نسخ معتمدة بالواو كما هو الظاهر والمعنى وظاهر لو في هذه الآية الدلالة المذكورة مستعملة هنا بطريق الاستدلال كما في قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] فإنها لنفي تعدد الآلهة لامتناع الفساد أي الاستدلال على انتفاء تعدد الآلهة بانتفاء فساد العالم فيكون لانتفاء الأول لانتفاء الثاني وهذا مختص بمقام الاستدلال وهو مسلك ابن الحاجب والمص حمل ما نحن فيه عليه فقال وظاهر لو هنا الدلالة على انتفاء الأول لانتفاء الثاني أي الاستدلال على انتفاء الشرط بانتفاء الجزاء إذ انتفاء ذهاب سمعهم وأبصارهم يفيد العلم بانتفاء مشيئته تعالى إياه فإن انتفاء اللازم يستلزم انتفاء الملزوم ضرورة وبداهة سواء كان اللازم عاما أو مساويا للملزوم وإليه أشار بقوله انتفاء الملزوم وقد يستعمل لو لانتفاء الثاني